الفحص الجيني قبل الزرع: ماهيته ومن يستفيد منه

نظرة عامة

يشير الفحص الجيني قبل الزرع إلى مجموعة من التقنيات المخبرية المستخدمة لفحص التركيب الجيني للأجنة الناتجة عن أطفال الأنابيب قبل نقل أي جنين إلى الرحم. والغاية منه تحديد الأجنة الأكثر احتمالاً لإحداث حمل سليم، وتجنّب نقل الأجنة المصابة بحالات وراثية محددة.

وقد تطورت هذه التقنية تطوراً كبيراً خلال العقد الماضي. فالطرق السابقة كانت تفحص عدداً محدوداً من الصبغيات في اليوم الثالث من عمر الجنين، أما الممارسة المعاصرة فتعتمد أخذ خزعة من بضع خلايا من الطبقة الخارجية التي ستتحول إلى مشيمة، في مرحلة الكيسة الأريمية في اليوم الخامس أو السادس، يتبعها التسلسل الجيني من الجيل التالي. وهذا النهج أدق وأقل إرباكاً للجنين النامي.

الأنواع الثلاثة

النوع الأول هو فحص اختلال الصبغيات، ويهدف إلى الكشف عن الأجنة ذات العدد غير الطبيعي من الصبغيات. ويُعد اختلال الصبغيات السبب الأشيع منفرداً لفشل الانغراس والإجهاض المبكر، ويرتفع معدل حدوثه ارتفاعاً حاداً مع تقدم عمر الأم. فلدى النساء فوق سنّ الأربعين قد تكون أغلبية الأجنة مختلة صبغياً رغم مظهرها الطبيعي تحت المجهر.

والنوع الثاني هو فحص الاضطرابات أحادية الجين، ويُستخدم حين يكون الوالدان حاملين معروفين لحالة ناجمة عن جين واحد. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث لا يزال زواج الأقارب شائعاً في بعض المجتمعات، يكتسب هذا التطبيق أهمية خاصة في حالات مثل الثلاسيميا بيتا وفقر الدم المنجلي والتليف الكيسي وضمور العضلات الشوكي.

أما النوع الثالث فهو فحص إعادة الترتيب البنيوي، ويُقدَّم للأزواج الذين يحمل أحدهما انتقالاً صبغياً متوازناً أو انقلاباً صبغياً. وهؤلاء الحاملون أصحاء عادةً في ذواتهم، غير أنهم ينتجون نسبة عالية من الأجنة غير المتوازنة، وهو ما يفسّر الإجهاض المتكرر لدى كثير من هؤلاء الأزواج.

من ينبغي أن يفكّر فيه

لا يحتاج كل مريض إلى هذا الفحص. وأوضح فائدة له تظهر لدى النساء في عمر إنجابي متقدم، والأزواج الذين يعانون فقداناً متكرراً للحمل، ومن مرّوا بفشل انغراس متكرر رغم نقل أجنة جيدة النوعية، والأزواج الذين لديهم حالة وراثية معروفة أو طفل مصاب سابقاً.

أما بالنسبة إلى المريضات الصغيرات ذوات الإنذار الجيد وعدد الأجنة القليل، فالحسبة مختلفة. إذ ينطوي الفحص على كلفة مخبرية، ويستلزم بلوغ الأجنة مرحلة الكيسة الأريمية، ويتضمن أخذ خزعة. وحين لا يتوافر سوى جنين أو جنينين، قد لا يغيّر الفحص خطة العلاج. وينبغي اتخاذ هذه القرارات بالتشاور مع أخصائي الخصوبة، ومع طبيب الوراثة السريرية عند وجود حالة وراثية محددة.

سير الإجراء

تتبع دورة الفحص الجيني المسار المعتاد لأطفال الأنابيب من تحفيز المبيض وسحب البويضات والإخصاب، ويكون الإخصاب عادةً بالحقن المجهري تفادياً للتلوث بالحمض النووي المتبقي من الحيوانات المنوية. وتُزرع الأجنة حتى مرحلة الكيسة الأريمية، ثم تُؤخذ منها الخزعة وتُجمَّد بالتزجيج ريثما يُجرى التحليل الجيني، وهو ما يستغرق عادةً أسبوعاً إلى أسبوعين.

وتصنّف النتائج كل جنين بوصفه سويّ الصبغيات أو مختلّها أو فسيفسائياً. وتُعطى الأجنة سوية الصبغيات الأولوية للنقل في دورة نقل أجنة مجمّدة لاحقة. أما الأجنة الفسيفسائية، أي التي تُظهر خليطاً من الخلايا الطبيعية وغير الطبيعية، فتستلزم استشارة دقيقة، إذ أفضى بعضها إلى ولادات حية سليمة، ويتوقف التدبير على الصبغيات المعنية تحديداً.

الفوائد والحدود

تتمثل الفوائد الرئيسية في خفض خطر الإجهاض، وتقليل عمليات النقل الفاشلة، واختصار الزمن اللازم لحدوث الحمل لدى المرضى المختارين بعناية، وإتاحة نقل جنين واحد بثقة، بما يتجنب مخاطر الحمل التوأمي على الأم والوليد.

ومن المهم بالقدر نفسه إدراك ما لا يفعله هذا الفحص. فهو لا يصنع أجنة أفضل، بل ينتقي من بين المتوافر أصلاً. ولا يمكنه تحسين النتيجة لدى مريضة تكون جميع أجنتها غير طبيعية، كما أنه لا يفحص كل الحالات الوراثية. وثمة نسبة ضئيلة من النتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، ويبقى الفحص التأكيدي أثناء الحمل موصى به.

قرار مدروس

يُعد الفحص الجيني قبل الزرع أداة قيّمة حين يُطبَّق على المرضى المناسبين وللأسباب المناسبة. وينبغي أن يأتي القرار بعد مناقشة مفصّلة لتاريخ الزوجين وعمرهما وعدد الأجنة والمخاطر الوراثية المحددة، إلى جانب شرح واضح للتكاليف والفائدة المتوقعة.

وفي مستشفى نيو هوب لأطفال الأنابيب بالشارقة، يوفّر مختبر الأجنة والفريق السريري خدمات الاستشارة الوراثية والفحص الجيني قبل الزرع وفق المعايير الدولية والمتطلبات التنظيمية في دولة الإمارات، بما يضمن أن يكون قرار كل زوجين مبنياً على معرفة كاملة.